تقرير الأمم المتحدة الجديد عن تنمية الموارد المائية في العالم: الموارد المائية تتعرض لضغوط متزايدة على الصعيد العالمي بسبب الارتفاع السريع في الطلب وتغير المناخ

2012/03/17

في وقت يزداد فيه الطلب على المياه في شتى أنحاء العالم، يُرجح أن يحد تغيّر المناخ من مدى توافر المياه العذبة في الكثير من المناطق. هذا ما يحذر منه التقرير الأحدث للأمم المتحدة عن تنمية الموارد المائية في العالم (الطبعة الرابعة) الذي يتناول موضوع « إدارة المياه في ظروف صعبة ومحفوفة بالمخاطر ». ويتوقع هذا التقرير الذي تم إطلاقه اليوم في إطار المنتدى العالمي السادس للمياه في مارسيليا (فرنسا) أن تؤدي الضغوط المرتبطة بالمياه إلى تفاقم أوجه التفاوت الاقتصادي بين بعض البلدان، وكذلك بين عدد من القطاعات أو المناطق داخل البلدان. ومن المرجح أن يتحمل الفقراء جزءاً كبيراً من هذا العبء، وفقاً لما جاء في التقرير.

الطلب على الموارد المائية يشهد ارتفاعاً هائلاً في جميع القطاعات الرئيسية المستخدمة للمياه

للطلب على المياه أربعة مصادر رئيسية هي الزراعة وإنتاج الطاقة وعمليات الإنتاج الصناعي والاستهلاك البشري.

ويستلزم الإنتاج الزراعي والحيواني قدراً كبيراً من المياه، وتستأثر الأنشطة الزراعية وحدها بنسبة 70% من مجموع الموارد المائية المستخدمة في أنشطة البلديات وأنشطة قطاعي الزراعة والصناعة (بما في ذلك قطاع الطاقة) مجتمعةً. ويؤدي الطلب المتزايد على المنتجات الحيوانية بوجه خاص إلى ارتفاع الطلب على المياه. ويُتوقع أيضاً أن يزداد الطلب العالمي على المواد الغذائية بنسبة 70% بحلول عام 2050.

ولكن يفيد التقرير بأن التحدي الرئيسي الذي يواجهه العالم اليوم لا يتمثل في زيادة إنتاج المواد الغذائية بنسبة 70% في غضون 40 سنة، بل يتمثل في تمكين الناس من استهلاك نسبة إضافية من المواد الغذائية قدرها 70%. وتشير أدق التقديرات المتوافرة إلى أن الاستهلاك العالمي للمياه في مجال الزارعة (بما في ذلك الزراعة البعلية والزراعة المعتمدة على الري) سيرتفع بنسبة تناهز 19% بحلول عام 2050. ولكن قد تكون هذه النسبة أعلى من ذلك بكثير إذا تعذر تحسين غلة المحاصيل وفعالية الإنتاج الزراعي تحسيناً كبيراً. وستُسجل نسبة كبيرة من الزيادة المتوقعة في أنشطة الري في المناطق التي تعاني أساساً من ندرة المياه. ويتضح بالتالي أن الإدارة المسؤولة للمياه المستخدمة في الزراعة من شأنها أن تسهم إسهاماً كبيراً في ضمان الأمن المائي على الصعيد العالمي في المستقبل.

وتُستخدم المياه في جميع عمليات إنتاج الطاقة والكهرباء (بصرف النظر عن المصدر)، ومنها استخراج المواد الخام، والتبريد في العمليات التي تستخدم الطاقة الحرارية، وعمليات التنظيف للتخلص من الشوائب، وزراعة المحاصيل لإنتاج الوقود البيولوجي، وتشغيل التربينات لتوليد الكهرباء بقوة المياه. ويوجد في العالم اليوم أكثر من مليار شخص يفتقرون إلى الكهرباء وغيرها من مصادر الطاقة النظيفة. ومن المتوقع أن يرتفع الاستهلاك العالمي للطاقة بنسبة تناهز 50% بحلول عام 2035 نتيجةً للنمو السكاني وازدياد الأنشطة الاقتصادية، مع الإشارة إلى أن نسبة 84% من هذا الارتفاع ستُسجل في البلدان غير التابعة لمنظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي.

وتشكل الموارد المائية جزءاً لا يتجزأ من الكثير من العمليات الصناعية. وسيؤدي ازدياد الأنشطة الاقتصادية إلى ارتفاع الطلب على المياه للاستخدامات الصناعية. ويدل مصطلح « المياه الافتراضية » (أو ما يُسمى « المياه الخفية ») على كمية المياه المستخدمة لإنتاج سلعة أو تقديم خدمة معينة. وبالتالي، فإن المليارات من أطنان المواد الغذائية وغيرها من المنتجات التي يتم تبادلها عالمياً تجعل البلدان تسهم عن غير قصد في الاتجار بالموارد المائية.

وفيما يخص الاستهلاك البشري، يتمثل المصدر الرئيسي للطلب على المياه في سكان المناطق الحضرية الذين يحتاجون إلى المياه للشرب ولأغراض الصرف الصحي والتصريف. ويُتوقع أن يرتفع عدد سكان المناطق الحضرية في العالم إلى 6,3 مليار نسمة في عام 2050، مقابل 3,4 مليار في عام 2009. ويمثل هذا العدد النمو السكاني وصافي الهجرة من الريف إلى المدن على حد سواء. ويفتقر اليوم عدد هائل من سكان المناطق الحضرية إلى الموارد المائية. وتفيد التقديرات بأن عدد سكان المدن الذين يفتقرون إلى المياه الصالحة للاستعمال وخدمات الصرف الصحي الملائمة قد ارتفع بما يقارب 20% منذ تاريخ اعتماد الأهداف الإنمائية للألفية.

ولا يزال ما يقارب مليار شخص لا ينتفعون بمصادر محسّنة لمياه الشرب، كما أن عدد سكان المدن الذين يفتقرون إلى مياه الصنابير قد ارتفع بالمقارنة مع ما كان عليه في نهاية التسعينات. وإضافةً إلى ذلك، يفتقر 1.4 مليار شخص إلى الكهرباء في منازلهم ويعاني ما يناهز مليار نسمة من سوء التغذية. ووصل عدد الأشخاص غير المنتفعين بمرافق ملائمة للصرف الصحي في العالم إلى 2.6 مليار نسمة في عام 2010، وفقاً لما أُفيد به سابقاً. وجدير بالذكر أن 64% من الأشخاص الذين انتفعوا بمرافق ملائمة للصرف الصحي بين عام 1990 وعام 2008، والبالغ عددهم 1.3 مليار نسمة تقريباً، يعيشون في المناطق الحضرية. ومع أن وضع هذه المناطق أفضل من وضع المناطق الريفية من حيث الإمدادات المائية، فإنها تعاني لتلبية احتياجات العدد المتزايد من السكان المقيمين فيها. وعلى الرغم من التقدم الذي أحرزه عدد من البلدان والمناطق في تحقيق بعض الأهداف الإنمائية للألفية المتعلقة بالمياه، فلا يزال ثمة الكثير مما ينبغي فعله، ولا سيما فيما يتعلق بتلبية الاحتياجات الخاصة للنساء والأطفال الذين يمثلون أكثر أفراد المجتمع ضعفاً والذين يرزحون تحت وطأة الفقر في شتى أنحاء العالم.

المياه وتغير المناخ

المياه هي العنصر الرئيسي الذي يؤثر تغير المناخ من خلاله على النظم الإيكولوجية وعلى سبل العيش ورفاه المجتمعات.

ومن المتوقع أن يؤدي تغير المناخ العالمي إلى تفاقم الضغوط الراهنة والمقبلة على الموارد المائية بسبب النمو السكاني واستخدام الأراضي، وإلى ازدياد تواتر حالات الجفاف والفيضانات وشدتها.

ويُتوقع أيضاً أن يؤثر تغير المناخ على مدى توافر الموارد المائية نتيجةً للتغيرات المرتقبة في توزيع مياه الأمطار، ورطوبة التربة، وذوبان المثلجات والجليد والثلج، وتدفق الأنهار والمياه الجوفية.

وتمثل الأخطار المتصلة بالمياه 90% من مجموع الأخطار الطبيعية. ويُسجل ارتفاع في تواتر هذه الأخطار وشدتها بوجه عام، وهو أمر تترتب عليه عواقب وخيمة بالنسبة إلى التنمية الاقتصادية. وتجدر الإشارة إلى أن حجم الأضرار الناجمة عن الكوارث الطبيعية التي ضربت عدداً من البلدان النامية بين عام 1990 وعام 2000 بلغ ما يتراوح بين 2 و15% من الناتج المحلي الإجمالي السنوي لهذه البلدان.

وعلى سبيل المثال، يُرجح أن تصبح منطقتا جنوب آسيا وأفريقيا الجنوبية أكثر المناطق تأثراً بالنقص في المواد الغذائية الناجم عن تغير المناخ بحلول عام 2030. ومن المتوقع كذلك أن تزداد الضغوط على الموارد المائية في أوروبا الوسطى والجنوبية وأن يرتفع عدد الأشخاص المتأثرين بهذه المشكلة من 28 إلى 44 مليون بحلول عام 2070. ويُرجح أن يتراجع معدل تدفق المياه في فصل الصيف بنسبة تصل إلى 80% في أوروبا الجنوبية وبعض أجزاء أوروبا الوسطى والشرقية.

وقد تتراوح التكاليف اللازمة للتكيف مع الآثار الناجمة عن ارتفاع متوسط درجة الحرارة على سطح الأرض بدرجتين مئويتين بين 70 و100 مليار دولار سنوياً بين عام 2020 وعام 2050. ويُرجح أن يرتبط مبلغ يتراوح بين 13,7 مليار دولار (في الحالات الأكثر جفافاً) و19,2 مليار دولار (في الحالات الأكثر رطوبةً) من هذه التكاليف بقطاع المياه، وأن يُستخدم الجزء الأكبر منه لتأمين الإمدادات المائية وإدارة الفيضانات.

التقلبات وأوجه عدم اليقين المتعلقة بالإمدادات المائية

تؤدي المياه الجوفية دوراً بالغ الأهمية في ضمان سبل العيش والأمن الغذائي لأكثر من مليار أسرة ريفية في أفقر مناطق أفريقيا وآسيا، وفي تأمين إمدادات المياه المنزلية لعدد كبير من السكان في أنحاء أخرى من العالم. وارتفع المعدل العالمي لاستخراج المياه الجوفية بمقدار ثلاثة أمثال على الأقل في السنوات الخمسين الأخيرة، مما أفضى إلى تعزيز الإنتاج الغذائي والتنمية الريفية إلى حد كبير. وتُعد المياه الجوفية اليوم أحد أهم مصادر المياه للاستهلاك البشري، إذ تؤمن ما يقارب نصف كمية مياه الشرب المستهلكة في العالم. وتجدر الإشارة إلى أن وفرة المياه الجوفية وطبيعتها القلوية الفريدة أتاحتا للسكان أن يستقروا ويعيشوا في مناطق قاحلة تندر فيها الأمطار والمياه الجارية فوق سطح الأرض أو تتوافر فيها على نحو يصعب التنبؤ به. ولكن بصرف النظر عن وفرة المياه الموجودة في طبقات الأرض، فإن اتسام هذه المياه بطابع غير متجدد في غالب الأحيان يعني أن سوء إدارتها قد يؤدي إلى استنفادها في نهاية المطاف. وقد بلغ مدى توافر موارد المياه الجوفية غير المتجددة مستويات حرجة في بعض المناطق البارزة.

وتُعتبر المثلجات أيضاً خزاناً هاماً للمياه. ففي الأجل القصير، ينتج عن ذوبان المثلجات ارتفاع في معدل تدفق المجاري المائية يُضاف إلى الارتفاع الناتج عن كمية الأمطار التي تتساقط سنوياً. ويؤدي هذا الأمر بدوره إلى ارتفاع الإمدادات المائية المتوافرة مباشرةً على المستوى المحلي. ولكن في الأجل الطويل، سيؤدي تواصل الذوبان البطيء للمثلجات، وفقاً لما هو متوقع، إلى تراجع كمية المياه التي توفرها هذه المثلجات، وهو أمر سيتسبب لا محالة بانخفاض إمدادات المياه في الأجل الطويل.

وتُعد نوعية المياه عنصراً من العناصر التي يُرتكز عليها لتحديد مدى « توافر » الموارد المائية. فالمياه الملوثة لا يمكن أن تُستخدم للشرب أو الاستحمام أو للإنتاج الصناعي أو الزراعي. كما أنها تضر بصحة الإنسان وتؤدي إلى تدهور خدمات النظم الإيكولوجية. وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 80% من مياه المجاري في العالم لا يتم جمعها أو معالجتها. وتُعتبر المستوطنات الحضرية السبب الرئيسي لتلوث المياه المتأتي من مصدر ثابت. وتمثل التكاليف الاقتصادية المرتبطة بتردي نوعية المياه في عدد من بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نسبة تتراوح بين 0,5 و2,5% من الناتج المحلي الإجمالي لهذه البلدان.

الأهمية المركزية للمياه

تنجم عن كل أزمة من أزمات المال والغذاء والوقود والمناخ مشكلات خطيرة. ولكن عندما تجتمع هذه الأزمات في زمن واحد، تترتب عليها آثار مدمرة تهدد الاستدامة العالمية. وتشكل المياه ركيزة تستند إليها عملية التنمية بجميع جوانبها. فهي العنصر الوحيد الذي يربط جميع القطاعات ببعضها بعضاً والذي يتيح معالجة الأزمات العالمية الكبيرة بصورة مشتركة. كما تُعد المياه عنصراً رئيسياً في تحقيق « النمو الأخضر » وفي بناء « الاقتصادات الخضراء ».

ومن غير المرجح أن تكفي الحلول المرتكزة على العرض وحدها لتلبية احتياجاتنا المتزايدة من حيث المياه. ففي الواقع، تكمن الحلول الرئيسية لأزمة المياه في العالم في قدرتنا على تحسين إدارة الطلب، مع السعي في الوقت عينه إلى تحقيق التوازن في إمكانية الانتفاع بالفوائد المختلفة للمياه والاستفادة إلى أقصى حد من هذه الفوائد.

وتجسد العلاقة القائمة بين المياه والغذاء والطاقة الخيارات الصعبة والمخاطر وأوجه عدم اليقين التي يواجهها راسمو السياسات اليوم. وهناك الكثير من الأمثلة على الآثار المقصودة أو غير المقصودة الناتجة عن الدفاع عن قضية واحدة على حساب القضايا الأخرى (الدفاع عن الأمن الغذائي عوضاً عن الطاقة أو الأمن المائي، على سبيل المثال). ويكمن أحد التحديات الرئيسية في هذا الصدد في دمج أوجه الترابط المعقدة هذه في استراتيجيات الاستجابة المراعية للحلول الوسطى المتاحة ولمصالح مختلف الأطراف المعنية.

ويقدّم التقرير الرابع عن تنمية الموارد المائية في العالم نهجاً جديداً يقوم على استعراض واقع الموارد المائية من منظور المخاطر وأوجه عدم اليقين. ويسعى التقرير إلى التشجيع على اتّباع طرق جديدة للتفكير في مستقبلنا الجماعي عن طريق تحديد الأدوات والنهوج التي تتيح لمختلف القطاعات الإنمائية الاستفادة إلى أقصى حد من فوائد المياه، وعن طريق توفير أدلة تؤكد أنه يمكن فعلاً التوصل إلى حلول تحقق مصالح جميع الأطراف المعنية. وأمام القادة في الأوساط السياسية والشركات والمسؤولين عن إدارة الموارد المائية ومستخدمي المياه والمواطنين العاديين فرصة فريدة لتجاوز التحديات والمخاطر الراهنة وإحداث تغيير طويل الأجل كي ينعم الجميع بازدهار مستدام من خلال المياه.

تقرير الأمم المتحدة عن تنمية الموارد المائية في العالم

إن تقرير الأمم المتحدة عن تنمية الموارد المائية في العالم تقرير رائد خاص بلجنة الأمم المتحدة المعنية بالموارد المائية يتولى إصداره البرنامج العالمي لتقييم الموارد المائية، وهو برنامج تابع للجنة المذكورة تستضيفه اليونسكو.

وتمثل لجنة الأمم المتحدة المعنية بالموارد المائية آلية التنسيق المخصصة لجميع القضايا المتصلة بالمياه العذبة في منظومة الأمم المتحدة. وتتولى هذه اللجنة تنسيق الأنشطة التي تضطلع بها 29 وكالة عضواً تابعة للأمم المتحدة و25 منظمة شريكة. ويتعاون البرنامج العالمي لتقييم الموارد المائية تعاوناً وثيقاً مع أعضاء اللجنة وشركائها في إعداد التقرير الخاص بتنمية الموارد المائية في العالم بوصفه منتجاً جماعياً يقوم على أوسع تعاون تعرفه منظومة الأمم المتحدة.

ويقدّم هذا التقرير الرائد عرضاً شاملاً يعطي صورة عامة عن حالة موارد المياه العذبة في العالم. فيحلل التقرير الضغوط الناجمة عن القرارات التي تتسبب بارتفاع الطلب على المياه وتؤثر بالتالي على مدى توافرها. كما أنه يقدّم مجموعة من الأدوات والخيارات العملية لمساعدة القادة في الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني على التصدي للتحديات الراهنة والمقبلة. ويقترح التقرير أيضاً حلولاً يمكن الاعتماد عليها لإصلاح المؤسسات.

وترتكز النسخة الرابعة للتقرير على معلومات مستمدة مباشرةً من المناطق. وهي تسلط الضوء على المسائل الهامة وتراعي موضوع المساواة بين الجنسين بوصفه قضية بالغة الأهمية. ويستند التقرير إلى نهج موضوعي هو « إ إدارة المياه في ظروف صعبة ومحفوفة بالمخاطر »، في وقت يتغير فيه العالم بسرعة لم يسبق لها مثيل وبطرق غالباً ما يتعذر التنبؤ بها.

المصدر: اليونسكو

Print This Post